حسن ابراهيم حسن
487
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
من عدلك ، البينة على من ادعى واليمين على من انكر ، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا . ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق . فإن الحق قديم ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل . الفهم الفهم فيما تلجلج « 1 » في صدرك . مما ليس في كتاب ولا سنة . ثم أعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور بنظائرها ، واجعل للمدعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهى إليه ، فإن أحضر بينة أخذ بحقه ، وإلا وجهت القضاء عليه ، فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ للعذر . المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا في شهادة زور أو ظنينا ( متهما ) في ولاء أو قرابة . فإن اللّه سبحانه تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات ، وإياك والفلق والضجر والتأذى للناس ، والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب اللّه بها الأجر ويحسن بها الذخر ، فإنه من يصلح نيته فيما بينه وبين اللّه ولو على نفسه يكفيه اللّه ما بينه وبين الناس ، ومن تزين للناس بما يعلم اللّه منه غير ذلك شأنه « 2 » » . كان القضاء في عهد الخلفاء الراشدين مستقلا محترم الجانب ، وكان يراعى في اختيار القاضي غزارة العلم والنقوي والورع والعدل . وكان القاضي يحكم في بعض الأحيان بحسب ما يوحى إليه اجتهاده ، بمعنى أنه إذا سئل في واقعة وقعت بالفعل أخذ من النصوص الواردة في الكتاب والسنة والحكم المراد تطبيقه . فإن لم يكن في الواقعة نص من الكتاب والسنة اجتهد برأيه وقاس الأمور بأشباهها . ومن ثم أصبح الاجتهاد ( أو الرأي أو القياس ) مبدأ يعتد به في الأحكام القضائية في العصور التالية ، وأصبحت تبنى عليه أكثر الأحكام . ولم يكن للقاضي كاتب أو سجل تدون فيه الأحكام ، لأنها كانت تنفذ على أثر البت فيها ، وكان القاضي يقوم بتنفيذها بنفسه ، كما كان القاضي يجلس للحكم في منزله أولا ، ثم أصبح يجلس في المسجد ليفصل في الخصومات . وقد تميز القضاء في عهد بنى أمية بميزتين :
--> ( 1 ) التلجلج : التردد في الكلام . ( 2 ) سنن الدارقطني . البيان والتبيين للجاحظ ج 2 ص 22 .